لبات ولد الشيخ عبد القادر باتلي إطار وصحفي وباحث وناسط سياسي
يعاني المجتمع الموريتاني اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى موجات من التهديد والخوف من المستقبل وفي الواقع من كل أنواع المصائب والكوارث، من الجوع والمرض والجهل ونقص في الثمرات والأنفس،{والله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون}،
لقد أثبتت البحوث العلمية وكل الدراسات السياسية والاقتصادية وتجارب الشعوب والأمم أن الأمن الاجتماعي أصبح هو الهاجس الأكبر والأخطر في حياة كل فرد يعيش في المجتمعات البشرية وخاصة مجتمعنا والمجتمعات التي تماثله في التركبة السكانية والخصائص البشرية، وسواء كانت تلك المجتمعات تعيش تطورا اقتصاديا في الوظائف والخدمات، أو المتخلفة في كل ذلك كمجتمعنا الموريتاني المأزوم مجتمعيا والمتأزم سياسيا، فالحاجة إلى الأمن الاجتماعي بمفهومه الأوسع والذي يشمل إصلاح وبناء جميع البني التحتية والفوقية في المجتمع، كما يشمل جميع المواطنين بلا تميز ولا إقصاء ولا تهميش، بل وحتى جميع بني البشر الذين يعانون مثلنا من مختلف المخاوف والمخاطر المتعددة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والخدمية، والخوف من المستقبل المبهم المعالم والمجهول المخاطر؟
وفي عالمنا اليوم قامت المجتمعات الواعية المتعلمة ممثلة بعلمائها ومثقفيها وكتابها ومنظمات مجتمعها المدني وسلطاتها السياسية، والاجتماعية والدينية بوضع جملة من التصورات والدراسات والمقررات والإجراءات والبرامج والخطط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تستهدف توفير الأمن الشامل الذي يحيط بالفرد والمجتمع والثقافة والقيم وحياة الفرد اليومية والمجتمع .
والعلم والدراسة والتخطيط وتجارب الأمم والشعوب تقول بأن تلك الإجراءات والخطط والدراسات والمشاريع ما هي إلا جزء مِن الأمن الاجتماعي حيث لابد من تحقيق أقصى وظائف التنمية ومخرجاتها كتنمية لقدرات البشرية والقيم الإنسانية في المجتمع لتحقيق أقصى قدر ممكن مِن التشغيل والعمل ورفاهية العيش الكريم، وفي إطار مِن الحريات السياسية والعدالة الاجتماعية الناجزة .
وكل هذا وذلك هو بالضبط ما يقصد به الخبراء والدارسون الأمن الاجتماعي، فالأمن الاجتماعي في جانب من جوانبه المهمة والأساسية هو التخطيط والإجراءات الضامنة لتحقيق الغايات والمقاصد، والتي يضعها الخبراء والسلطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للاستجابة لحاجيات الإنسان، بالإضافة إلى تفجير كل الطاقات المخبئة في داخل الفرد والقيم الإنسانية المركوزة في جبلة كل إنسان وفي فطرته للحصول على أكبر قدر ممكن من الناتج التي تنعكس إيجابيا بدورها على خلق التنمية والرفاهية للمجتمع وأمنه واستقراره .
ولقد أثبت التخطيط والدراسات العلمية وتجارب النهوض والتنمية في المجتمعات المتقدمة أنه متى ما بلغ الفرد والمجتمع مستوى مقبول من الرفاه الخدمي والاستقرار السياسي والسكينة المجتمعية، وعدم وجود أي نوع من أنواع المخاوف حينها يصبح هذا المجتمع آمناً وقابلا وقادراً على أداء مسؤولياته التي خلق من أجلها كما قال تعالى في كتابه الكريم:{هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}، وعمارة الكون باستخراج ما أودع الله فيه من خير وتذليله وتسخيره للإنسان وذلك هو المقصود بمفهوم التنمية الشاملة، والتي من أسبابها،كما قال تعالى:{فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.
وهي القيم والأهداف التي لا يمكن أن توجد وتنجز وتقام في ظل وجود الجور والظلم والغبن والاستبداد معوقات، بل موانع التنمية، ومهددات الأمن الاجتماعي، وعوامل خراب العمران وتضيع الأوطان، ولذلك من الله عز وجل، جاء ذلك القدر الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الحكماء، والمقولات الفلسفية التي تحذر من الظلم والاستبداد وتكشف عن سوء عاقبة المستبدين والظلم والظالمين ؟
لقد حذر الله جل وعلا ورسوله- الله صلى الله عليه وسلم- من الظلم وبينا بشاعته وسوء عاقبته، وبينا أن من أسوء أنواعه و أشكاله وصنوفه الاعتداء على حقوق الآخرين، أو تضيعها، والذي يتدبر القرآن الكريم فإنه يجد فيه البيان الشافي وتفصيل الكامل لتحريم الظلم وتجريم أهله، ووعيد الله جل وعلا بالخزي في الدنيا والندامة والعذاب الأليم في الآخرة، ففي القرآن الكريم مئات الآيات التي تفصل ذلك وتبينه، فتارة نجد الآيات القرآنية تبين لنا أن الظلم ظلمات يؤدي إلى سوء المصير في الدنيا وخزي العذاب في الآخرة، كما في قوله تعالى:{ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}، وتارة ينهانا عن الاقتراب من الظالمين كما في قوله تعالى:{ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}،
وتارة يخبرنا عن حال ومصير الظالمين وأن الله لن يقبل عذرهم يوم الحساب، كما في قوله تعالى:{ فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون}،
وتارة يرشدنا إلى أن نعلم وتتبين أن الظلم هو الذي يؤدي إلى الخسران والهلاك كما في قوله تعالى:{ والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون}.
وتارة يصرح بأن الظلم عاقبته هي الفشل والخيبة في الدنيا والخسران في الآخرة كما في قوله تعالى:{ وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً}.
وتارة يلفت أنظارنا ويعلمنا أن رحمة الله تعالى بالناس، هي التي منعت نزول العذاب بهم كما في قوله تعالى:{ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون}.
وتارة يبين لنا أن الظلم هو السبب الذي يؤدي إلى خراب الديار، وانهيار البنيان، وسقوط الحضارات كما في قوله تعالى:{ فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا إن في ذلك لآيةً لقوم يعلمون}.
وفي المقابل يرشدنا ويعلمنا أن العدل هو أساس الوجود والبناء وهو ضد الظلم، ولا يجتمع معه أبدا في حكم ولا حاكم ولا في واقع حياة.
والعدل هو أساس القيم والأخلاق الإسلامية الرفيعة التي لا ينبغي أن تفارق المسلم في كل حياته وتعاملاته مع الآخرين وفي كل مظاهر وشؤون حياته العامة والخاصة العلمية والأخلاقية، والعدل يحمل فيما يحمل من معاني الحق والصدق والإنصاف والنظام والاستقامة وغيرها من المعاني ما يجعله من صفات الكمال التي يتصف بها رب العزة ويأمر عباده بأن يتصفوا بها وينظموا سلوكهم وحياتهم على أساسه ووفق ميزانه .
وبالرغم من تعدد وتنوع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تأمر بالعدل وتحث عليه وتحبب الناس فيه وتدفعهم إلى الالتزام به، إلا أن مظاهر الظلم وعدم الإنصاف هي السائدة الشائعة في مجتمعنا المسلم وبين مواطنينا نحن بذات في موريتانيا .
يمارسه كل موظفي الدولة وقادة الحكم والنظام السياسي والمجتمعي، حيث نجد أنه قد أهدرت في مؤسساتنا ومجتمعنا حقوق الكثيرين من المواطنين المتعلمين قبل الأميين في الحصول على العمل والتوظيف نتيجة لغياب العدل والإنصاف في السياسة والنظام، وانتشار الظلم، وضعف الوساطة والمحسوبية عند البعض، كما ضاعت حقوق الكثيرين من غير المتعلمين في الصحة والتعليم وكافة الخدمات، وغيبت الأصوات المطالبة بإحقاق العدل والإنصاف نتيجة لاستفحال الظلم وشيوع رذيلة النفاق، فلحق الظلم بأكثر فيئان المجتمع وطبقاته نتيجة شيوع الغش في كل مجالات الحياة وإهدار حقوق المواطنين في الحصول على المسكن المناسب والسعر في الرزق ألائق، وحتى الوضع الوظيفي المناسب لمن حالفهم الحظ فوجدوا وظائف وهم القلة التي لها الوساطة والوجاهة والمحسوبية ؟!.